الشنقيطي

64

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أنساهم اللّه أنفسهم ؟ وهذه مقتطفات من أقوال المفسرين في هذا المقام لزيادة البيان : قال ابن كثير رحمه اللّه : لا تنسوا ذكر اللّه تعالى فينسيكم العمل الصالح ، فإن الجزاء من جنس العمل . وقال القرطبي : نسوا اللّه أي تركوا أمره ، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيرا . وقال أبو حيان : الذين نسوا اللّه هم الكفار تركوا عبادة اللّه ، وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى فأنساهم أنفسهم حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب ، وهذا من المجازات على الذنب بالذنب . إلخ . وقال ابن جرير : تركوا أداء حق اللّه الذي أوجبه عليهم ، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل . أما الزمخشري والفخر الرازي ، فقد أدخلا في هذا المعنى مبحثا كلاميا حيث قالا في معنى نَسُوا اللَّهَ [ الحشر : 19 ] كما قال الجمهور ، أما في معنى فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] فذكرا وجهين . الأول : كالجمهور ، والثاني : بمعنى ، أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم كقوله تعالى : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) [ إبراهيم : 43 ] ، وقوله : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 2 ] اه . وهذا الوجه الثاني لا يسلم لهما ، لأن ما ذهبا إليه عام في جميع الخلائق يوم القيامة ، وليس خاصا بمن نسي اللّه كما قال تعالى في نفس الآية التي استدلا بها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ، فهو عام في جميع الناس . وقوله : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [ الحج : 2 ] . والذهول أخو النسيان ، وهو هنا عام في كل مرضعة وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها [ الحج : 2 ] وهو أيضا عام ، وذلك من شدة الهول يوم القيامة ، ولعل الحامل لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه ، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى اللّه ، وفيه شبهة اعتزال كما لا يخفى . ولوجود إسناد الإنساء إلى الشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [ الكهف : 63 ] ، وكما في قوله تعالى : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) [ الأنعام : 68 ] ، وقوله : عن